الفيض الكاشاني

198

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وقال يونس بن عبيد : ما من الناس أحد يكون لسانه منه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله . وقال الحسن : كانوا يتكلَّمون عند معاوية والأحنف ساكت فقالوا : مالك لا تتكلَّم يا أبا بحر ؟ فقال : أخشى اللَّه إن كذبت وأخشاكم إن صدقت . وقال أبو بكر بن عيّاش : اجتمع أربعة ملوك على ذمّ الكلام ملك الهند وملك الصّين وكسرى وقيصر ، فقال أحدهم : أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل ، وقال الآخر : إنّي إذا تكلَّمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلَّم بها ملكتها ولم تملكني ، وقال الثالث : عجبت للمتكلَّم إن رجعت عليه كلمته ضرّته وإن لم ترجع لم تنفعه ، وقال الرابع : أنا على ردّ ما لم أقل أقدر منّي على ردّ ما قلت . وقيل : إنّ المنصور بن المعتزّ لم يتكلَّم بعد العشاء الآخرة أربعين عاما . وقيل : ما تكلَّم الرّبيع بن خثيم بكلام الدّنيا عشرين سنة وكان إذا أصبح وضع دواتا وقرطاسا وقلما كلّ ما تكلَّم به كتبه ثمّ يحاسب نفسه عند المساء . * ( فصل ) * فإن قلت : فهذا الفضل الكثير للصمت ما سببه ؟ فاعلم أنّ سببه كثرة آفات اللَّسان من الخطأ والكذب والنميمة والغيبة والرّياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية النّفس والخصومة والفضول والخوض في الباطل والتحريف والزّيادة والنقصان وإيذاء الخلق وهتك العورات ، فهذه آفات كثيرة وهي سباقه إلى اللَّسان لا تثقل على اللَّسان ولها حلاوة في القلب وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان فالخائض فيها قلَّما يقدر على أن يزمّ اللَّسان فيطلقه بما يجب ويكفّه عمّا لا يجب فإنّ ذلك من غوامض العلم كما سيأتي تفضيله وفي الخوض خطر وفي الصمت سلامة ، فلذلك عظم فضل هذا مع ما فيه من جمع الهمّ ودوام الوقار والفراغ للفكر والعبادة والذّكر والسلامة من تبعات القول في الدّنيا ومن حسابه في الآخرة ، وقد قال تعالى : « ما